شهدت العاصمة السويدية ستوكهولم، يوم السبت، تجمعاً غفيراً في ساحة أودنبلان، حيث ستوكهولم تحيي ذكرى النكبة بمسيرة حاشدة دعما لفلسطين، في تظاهرة جسدت الربط بين المأساة التاريخية التي عاشها الشعب الفلسطيني في عام 1948 والواقع الميداني المتفجر الذي يعيشه اليوم في قطاع غزة والضفة الغربية.
رفع آلاف المشاركين في المسيرة الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بوقف فوري لما وصفوه بجرائم الحرب المستمرة، مؤكدين على تضامنهم مع الحقوق الفلسطينية المشروعة. ولم تكن المسيرة مجرد إحياء لذكرى سنوية، بل كانت صرخة سياسية في قلب أوروبا، تطالب بكسر الصمت الدولي تجاه ما يحدث في الأراضي الفلسطينية.
تأتي هذه الفعالية في توقيت حساس للغاية، حيث تتقاطع ذكرى النكبة الـ78 مع استمرار التصعيد العسكري والعمليات التي تشنها إسرائيل، مما أعاد تسليط الضوء على جذور الصراع التي تمتد لعقود، بعيداً عن الأحداث الأخيرة التي بدأت في أكتوبر 2023.
الجذور التاريخية: من تهجير 1948 إلى واقع اليوم
تستحضر المسيرة أحداث 15 مايو 1948، وهو التاريخ الذي يمثل نقطة التحول الكبرى في تاريخ المنطقة، حين أُعلن قيام دولة إسرائيل على مساحات واسعة من أراضي فلسطين التاريخية. وقد رافق ذلك عمليات تهجير قسري ومجازر نفذتها العصابات الصهيونية، مما أدى إلى خلق أزمة لاجئين لم تنتهِ فصولها حتى الآن.
ووفقاً للبيانات التاريخية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن مصطلح “النكبة” يشير إلى تهجير ما يقرب من 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون نسمة كانوا يقطنون نحو 1300 قرية ومدينة فلسطينية في ذلك الوقت. هذا النزوح الجماعي شكل حجر الأساس للمعاناة الفلسطينية المستمرة، وهو ما حاول المتظاهرون في ستوكهولم تذكير العالم به.
ويرى مراقبون أن الربط بين أحداث 1948 والواقع الحالي ليس مجرد استحضار للعاطفة، بل هو قراءة سياسية تحاول توضيح أن الصراع الحالي ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لعمليات استيطانية وتهجيرية بدأت منذ عقود وما زالت تتخذ أشكالاً مختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
مطالب بالوعي التاريخي وتغيير المناهج التعليمية
خلال الفعالية، برزت أصوات تدعو إلى ضرورة إعادة قراءة التاريخ بعيداً عن الروايات الأحادية. وفي تصريح أدلى به، أشار جوناثان كي، ممثل جمعية “التحالف اليهودي المناهض للصهيونية”، إلى أن الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين لم يكن وليد أحداث السابع من أكتوبر، بل هو واقع بدأ قبل نحو 80 عاماً.
وانتقد كي بشدة ما وصفه بغياب الوعي التاريخي العالمي تجاه قضية النكبة، معتبراً أن التعامل مع هذه الأحداث كأنها تاريخ مخفي أو “مدفون تحت الأرض” يعد أمراً غير مقبول. وطالب كي بضرورة إدراج قضية النكبة ضمن المناهج الدراسية العالمية، تماماً كما تُدرس الأحداث التاريخية الكبرى الأخرى، لضمان فهم الأجيال القادمة لجذور المعاناة الفلسطينية.
وأكد كي على أهمية أن يدرك المجتمع الدولي حجم المعاناة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني على مدار عقود، مشدداً على أن الحقيقة التاريخية لا يمكن إخفاؤها أكثر من ذلك، وأن الوقت قد حان لإنصاف الضحايا عبر التعليم والاعتراف بالحقائق التاريخية الموثقة.
المشهد الميداني: غزة والضفة الغربية تحت وطأة التصعيد
تأتي هذه المسيرة في وقت تعيش فيه المنطقة حالة من عدم الاستقرار الشديد. فبالرغم من وجود اتفاق لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ منذ 10 أكتوبر 2025، إلا أن قطاع غزة لا يزال يعاني من تبعات الحرب المدمرة التي بدأت في عام 2023، بما في ذلك القيود الصارمة على دخول المساعدات الإنسانية والدمار الهائل في البنية التحتية.
وفي الوقت ذاته، تشهد الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، تصعيداً يومياً يتضمن اقتحامات متكررة للمدن والبلدات من قبل الجيش الإسرائيلي، بالإضافة إلى اعتداءات متزايدة من المستوطنين وتوسع مستمر في النشاط الاستيطاني. هذا التوتر الميداني يضع السكان الفلسطينيين في مواجهة مباشرة مع سياسات الاعتقال وإغلاق الطرق وتقييد الحركة.
وتعكس الأرقام الصادرة عن الإحصاء الفلسطيني حجم الفاجعة الإنسانية، حيث تظهر البيانات التراكمية منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 وحتى نهاية أبريل 2026، حصيلة ثقيلة من الضحايا، يمكن تلخيصها في الجدول التالي:
| المنطقة | عدد القتلى (أكتوبر 2023 – أبريل 2026) |
|---|---|
| قطاع غزة | 72,601 |
| الضفة الغربية | 1,160 |
| الإجمالي العام | 73,761 |
توضح هذه الإحصائيات، التي استندت إليها التقارير الميدانية، الفارق الكبير في حجم الدمار والضحايا بين قطاع غزة الذي تعرض لقصف مكثف، وبين الضفة الغربية التي تعاني من عمليات عسكرية واعتداءات مستمرة.
من المتوقع أن تستمر الحركات المدنية في أوروبا في تنظيم وقفات مماثلة مع اقتراب المواعيد الدبلوماسية القادمة المتعلقة بملف غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية، في ظل استمرار الضغوط الدولية لضمان تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار وحماية المدنيين في كافة الأراضي الفلسطينية.
شاركنا برأيك في التعليقات: كيف ترى تأثير التظاهرات الدولية في تغيير السياسات تجاه القضية الفلسطينية؟ ولا تنسَ مشاركة الخبر مع أصدقائك.
