في عمق الأرض بولاية فيكتوريا الأسترالية، حيث يسود صمت مطبق بعيداً عن ضجيج العالم السطحي، يخطو العلماء خطوة تقنية فارقة قد تعيد كتابة فهمنا للكون. فقد نجح مختبر ستاويل الفيزيائي تحت الأرض (SUPL) في التغلب على واحدة من أعقد العقبات التي واجهت علماء الفيزياء لعقود: “الضوضاء” الإشعاعية التي تحجب رؤية المادة المظلمة.
هذا الإنجاز لا يتعلق فقط ببناء منشأة، بل بخلق بيئة “نظيفة” إشعاعياً إلى حد مذهل، مما يجعل هذا مختبر تحت الأرض يقترب من كشف المادة المظلمة لأول مرة في نصف الكرة الجنوبي. ومن خلال تحويل منجم ذهب مهجور إلى مركز أبحاث متطور في عام 2022، استطاع الفريق البحثي تقليل تداخل الجسيمات الكونية إلى مستويات تضاهي أفضل المختبرات العالمية في إيطاليا وبريطانيا.
تأتي أهمية هذا الموقع من طبيعة المادة المظلمة نفسها؛ فهي مادة غامضة تشكل نحو 85% من مادة الكون، لكنها لا تصدر ضوءاً ولا تعكسه، ولا يمكن رصدها إلا من خلال تأثير جاذبيتها على المجرات. ولأن إشاراتها ضعيفة للغاية، فإن أي إشعاع كوني بسيط على سطح الأرض يمكن أن يطمس هذه الإشارات، تماماً كما يطمس صراخ حشد من الناس همسة خافتة.
حرب ضد “الميونات”: كيف يعمل العزل الإشعاعي؟
تعتمد استراتيجية مختبر ستاويل على استخدام طبقات الأرض كدرع طبيعي. المشكلة الأساسية تكمن في “الميونات”، وهي جسيمات عالية الطاقة تنتج عن اصطدام الأشعة الكونية بالغلاف الجوي للأرض وتخترق كل شيء تقريباً. بالنسبة لفيزيائي يبحث عن جسيمات المادة المظلمة، تُعد الميونات بمثابة تلوث إشعاعي يعيق دقة القياسات.
وبحسب النتائج المنشورة في مجلة Astroparticle Physics، أظهرت القياسات انخفاضاً هائلاً في تدفق هذه الجسيمات عند الانتقال من السطح إلى أعماق المختبر. هذا الفارق الشاسع هو ما يمنح SUPL القدرة على رصد تفاعلات نادرة جداً قد تكون هي الدليل القاطع على وجود المادة المظلمة.
| الموقع | مستوى تدفق الميونات (تقديري) | الحالة الإشعاعية |
|---|---|---|
| سطح الأرض | نحو 8.4 مليار ميون | ضوضاء عالية جداً |
| داخل مختبر SUPL | حوالي 30 ألف ميون | بيئة نظيفة إشعاعياً |
هذا المستوى من العزل يضع المختبر الأسترالي في منافسة مباشرة مع منشآت عريقة مثل مختبر “غران ساسو” في إيطاليا ومختبر “بولبي” في بريطانيا، مما يجعله ركيزة أساسية في شبكة الرصد العالمية لفيزياء الجسيمات.
لغز “الرياح المظلمة” وتجربة SABRE South
لكن لماذا نحتاج إلى مختبر في أستراليا تحديداً بينما نمتلك مختبرات في أوروبا؟ الإجابة تكمن في حركة الأرض ذاتها. يعتقد العلماء أن نظامنا الشمسي يتحرك عبر “هالة” من المادة المظلمة، مما يخلق ما يشبه “الرياح” من هذه الجسيمات التي تصطدم بالأرض.
من المقرر أن تنطلق في عام 2026 تجربة SABRE South، وهي نسخة موازية لتجربة DAMA/LIBRA الإيطالية. لسنوات طويلة، سجلت التجربة الإيطالية إشارات موسمية غامضة، لكن المجتمع العلمي ظل منقسماً حول ما إذا كانت هذه الإشارات ناتجة عن مادة مظلمة حقيقية أو مجرد تأثيرات بيئية أرضية تتغير بتغير الفصول.
هنا يأتي دور مختبر ستاويل؛ فإذا كانت الإشارات ناتجة عن مادة مظلمة، يجب أن تظهر في نصف الكرة الجنوبي بتوقيت مختلف عن نصف الكرة الشمالي بسبب دوران الأرض حول الشمس. أما إذا تطابقت النتائج زمنياً بين إيطاليا وأستراليا، فهذا يعني أن السبب “أرضي” (مثل تغيرات درجات الحرارة أو الرطوبة) وليس كونياً.

التكنولوجيا خلف الكاشف: هندسة الدقة المطلقة
لتحقيق هذا الهدف، لا يعتمد العلماء على العمق وحده، بل على منظومة تقنية معقدة تهدف إلى تصفية أي إشارة كاذبة. يستخدم كاشف SABRE South نظاماً يتكون من:
- بلورات يوديد الصوديوم: سبع بلورات فائقة النقاء تعمل كحساسات لرصد أي اصطدام لجسيمات المادة المظلمة.
- سائل السينتيلاتور: خزان فولاذي ضخم يحتوي على 12 ألف لتر من سائل كاشف يحيط بالبلورات لرصد الإشعاعات الخلفية.
- تدريع ثقيل: طبقات حماية إضافية تزن نحو 120 طناً لعزل أي تداخلات إشعاعية من الصخور المحيطة.
- نظام “الفيتو الميوني”: تقنية برمجية وفيزيائية تقوم بإلغاء (Veto) أي إشارة تتزامن مع مرور ميون، لضمان أن ما يتم تسجيله هو تفاعل “نقي” للمادة المظلمة.
بصفتي متابعة لتقنيات الحوسبة والبرمجيات، أرى أن التحدي هنا ليس فقط في الفيزياء، بل في معالجة البيانات الضخمة وتصفيتها في الوقت الفعلي لتمييز إشارة واحدة نادرة وسط ملايين الإشارات العشوائية.
ماذا يعني هذا الاكتشاف للعالم؟
إذا نجحت تجربة SABRE South في تأكيد نتائج DAMA/LIBRA، فلن يكون ذلك مجرد انتصار علمي، بل ثورة في الفيزياء الحديثة. اكتشاف المادة المظلمة يعني أننا سنتمكن أخيراً من فهم القوة التي تمسك المجرات من الانهيار، وسنفتح الباب أمام “فيزياء جديدة” تتجاوز النموذج القياسي الحالي الذي يحكم فهمنا للجسيمات.
تتركز الخطوات القادمة الآن على تحسين دقة نظام تقليل تأثير الميونات ودراسة سلوك هذه الجسيمات من حيث الاتجاه والتغير الزمني، لدمج هذه البيانات في عمل الكاشف بشكل فوري قبل التشغيل الكامل في 2026.
يبقى الموعد المرتقب هو عام 2026، حيث سيبدأ كاشف SABRE South في جمع بياناته الأولى، وهو التاريخ الذي قد يشهد لحظة تاريخية تحول فيها المادة المظلمة من فرضية رياضية إلى حقيقة ملموسة.
هل تعتقد أن العلم سيتمكن قريباً من حل لغز المادة المظلمة؟ شاركنا رأيك في التعليقات وتابع تحديثاتنا حول استكشافات الفضاء والفيزياء.
